فخر الدين الرازي
282
المطالب العالية من العلم الإلهي
الوقوع . وإن كان معلوم اللاوقوع ، فهو ممتنع الوقوع . وعلى التقديرين فلا فائدة في الاستعاذة . الخامس : إنا إذا قلنا : ضلال الكافر والفاسق ، إنما حصل من وسوسة الشيطان . فإن قلنا : إن ضلال الشيطان ، إنما حصل من شيطان آخر . لزم التسلسل . وهو محال . وإن قلنا : حصل من قبل نفسه ، فهو باطل من وجهين : الأول : إنا إذا قلنا ذلك ، فلم لا نقول : إن ضلال الكافر والفاسق إنما حصل من قبل نفسه ، لا من قبل الشيطان ؟ وحينئذ تكون الاستعاذة من الشيطان عبثا . الثاني : إن المكلف لا يرضى لنفسه [ البتة « 1 » ] باختيار الجهل والكفر ، إلا إذا قيل : إنه إنما اختار ذلك ، لأنه ظن أن ذلك الاعتقاد : علم . لأنه على هذا التقدير لا يمكنه اختيار هذا الجهل ، إلا لسبق جهل آخر . ولا يتسلسل بل ينتهي إلى جهل أول . وحينئذ يعود السؤال في كيفية حصوله . فثبت : أن ضلال ذلك الشيطان إنما حصل بإضلال اللّه تعالى ، وحينئذ تقبح الاستعاذة باللّه من الشيطان ، على هذا التقدير . وإلى هذا التحقيق الإشارة بقوله تعالى : هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا . أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا « 2 » يعني : إن كانت غوايتهم منا ، فغوايتنا ممّن . فالذي أغوانا هو الذي أغوى الكل . الوجه السادس في بيان أن الاستعاذة من الشيطان غير معقولة : إن الحدقة السليمة إذا صارت مقابلة للمرئي ، وكان ذلك المرئي قريبا ، والشرائط حاضرة ، والموانع زائلة . فعند اجتماع هذه الأمور يجب حصول الإدراك . وحصول الإدراك مستلزم للعلم بماهيّة المدرك . والعلم بماهية المدرك يوجب
--> ( 1 ) من ( م ، ل ) . ( 2 ) سورة القصص ، آية : 63 وفي تفسير مجمع البيان : الَّذِينَ أَغْوَيْنا يعنون أتباعهم أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا أي أضللناهم عن الدين بدعائنا إياهم إلى الضلال ، كما ضللنا نحن بأنفسنا .